الأربعاء، فبراير 13، 2013

الله !






"كلّما أقبلت على الله خاشعة. صَغُرَ كلّ شيء حولك و في قلبك. فكلّ تكبيرة بين يدي الله تعيد ما عداه إلى حجمه الأصغر. تذكّرك أن لا جبار إلّا الله، و أنّ كلّ رجل متجبّر، حتى في حبّه، هو رجل قليل الإيمان متكبّر. فالمؤمن رحوم حنون بطبعه لأنّه يخاف الله.ـ" أحلام مستغانمي
عندما اردت الحديث عن الله وجدت انه من العظيم ان يكون الحديث خاضعا لقوانين تربط بين الايمان بالله واليقين بقدرته والخوف من عذابه ومناجاة رحمته !
عندنا كان يجب علي الحديث عن الصانع كان الامر نابعا من ابداع منتجاته فكيف يمكن لعاقل ان يرى الكون حوله دون ان يقول " سبحان الله " ولابد لنا عند رؤية الجمال ان نقول " الله " .
علاقتي بالخالق لم تكن تسير على وتيرة واحدة وهو – عزوجل – ارداها لذلك لأنه يعلم ان هكذا تكون الامور دائما فلا شيء مستقر أو ثابت سواه .
حينما كنت طفلا ، كان الله بالنسبة لدي هو ذلك العظيم القادر على كل شيء الأول بلا بداية والممتد الى مالا نهاية ، كنت دائما اضعه في منزلة العظماء ولكني لم اكن ادر اسباب حقيقية لذلك ، كان الامر أشبه بمن يحب شخصا دون ان يدري السبب فما بالكم بالله !
حينما سألت أبي عن  طبيعة الخالق ، كيف هو واين يوجد ؟ أجابني ان الله هو ذلك الذي من عليك بنعمه وجوده وكرمه " وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها " فكل خير لك ملك يديه !
ساعتها كنت اسعد بالخالق واحمد ربي على ايماني به ، ولكني كنت احيانا افكر في ان النعمة والنقمة ملك يمينىه فهو من انعم علي وهو من سبب لي الضرر في بعض الأمور ولم اكن افقه لأشياء كثيرة!
كانت دائما آيه " وما قدروا الله حق قدره والارض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يصفون " تجذبني جذبا ، فما بالك بخالق يقول لمخلوقاته " ما قدرتم حق قدري " ومع ذلك لا يعاقبهم لا يقهرهم لا يظلمهم!
شعرت بأن ايماني بالله نابع من اتجاه عاطفي وان كان هذا مقبول إلا ان مع الله يجب ان يتيقن عقلك وقلبك وكل جوارحك !
آمن عقلي بسرعة فكل ما في الكون يثبت وجوده ويثبت قدرته وكل عجز بشري يثبت ان هناك من هو فوق العجز وقادر على تحريك كل شيء بكلمة " كن " !
كنت طفلا عابدا لله بدون يقين حقيقي ، فكنت ارى انه الزاما علي عبادته دون ان اكون راغبا في ذلك ، وكنت اشعر انني اذا سجدت لله بغية طلب شيء منه فهو نوع من النفاق ، فالله يعلم اني لم اسجد الا لطلب ولم افكر فيه الا لحاجة ، ويجب ان اكون اريد الخالق واتحدث عنه واليه في كل وقت دون طلب او سؤال !
لذلك لم اكن اشعر بصفاء داخلي واعتراني العديد من المشكلات الاجتماعية والنفسية وحتى الاخلاقية فأصبحت اعبد البشر اكثر من عبادتي لله ، اصلي في المسجد  ليقولوا مصلي ، ادعي ان يوما ما صمت نافلة دون ان اكون فعلت ذلك لأجعلهم يسعدون بكوني طفلا واصوم لله نوافله !
وعندما كبرت اكثر فأكثر ازداد بعدي لله مع ازدياد ارتباطي بنعم الدنيا ومتعها ، فالانسان دائما ما يجب ان يجد الخير سريعا وقلة هم من يتحملوا الالم فترة من اجل الحصول على النعيم المستديم ولست انا من القلة ، بل انا متسرع جدا واريد النتيجة اسرع من جهدي في العمل وهذه كارثة !
ولكن الان وبعد طول جهد ، فقهت ما لم اكن افقهه سابقا عن الله ، انه حقا عظيم ، يرى الكون شاملا فيعجز نظرتنا القاصرة لأجزاء بينية من الكون قد نظن انها كل شيء وهي غير ذلك !
هو من يعرف اليوم وغدا والماضي ، هو من يرى لنا النور ويعرف لنا الصواب ، فعندما كنت انظر للتاريخ أقول " أظن ان الشعوب كانت ساخطة حين حدث كذا وكذا " واكتشف ان هذا الشيء كان له اثر ايجابي فأنشأ نهضة وحضارة عظيمة ، الله وحده من كان يعرف ان هذا سيحدث لذا ترك الشعوب تشعر بالضجر وكأنه يقول لهم " اصبروا  ان الخير قادم من رحم الكارثة " .
انه صاحب القرار الاعظم وهو بحكمته يجعلك تصل – بحرية كاملة – الى قرارتك ويعينك عليها لتنجح وان تظن ان هذا قرارك الا انه الهام ورسائل الخالق !
أحمده فقد عرفته وعمري في الدنيا ليس بعظيم ، احمد الله انه سمح لي برؤيته بمناجاته بعشقه وتقبلني كما انا والهمني الطريق الذي سيكون في آخره طوق خير ونجاة !
أراكم قريبا
ملحوظة: هذا المقال جزء من مجموعة " ذكريات طفل ناضج " ولكني اثرت ان لا استخدم العنوان المميز لهذه المجموعة ان تبدأ بـ"أنا و .... " فالله اعظم من اكون معطوف عليه !

الخميس، فبراير 07، 2013

انا والمجتمع !





“لا تقدم ابداً شروحاً لأحد.. أصدقاؤك الحقيقيون ليسوا فى حاجة إليها و أعداؤك لن يصدقوها” " أحلام مستغانمي - نسيان

في محاولة مني لاستكمال ما بدأت حينما تحدثت عن ذاكرتي ومزج ذلك بمقالاتي الاخيرة عن المجتمع وجدت انه سيكون من الافضل ذكر التأثير المتبادل بيني وبين المجتمع .
لا أدري لماذا يرى المجتمع نفسه دائما كشخص واحد وهذا الامر خاطيء تماما ؛ فالمجتمع بالنسبة لي هو مجموعة من الافراد اتفقت على مجموعة من المعايير تحكم حياتهم ولكن ليس بالضرورة هناك اجماع على كل هذه القوانين والمعايير.
ومن الضروري ان يتفق الاغلبية من المجتمع على هذه المعايير ومن يرفضها فهو ليس جاهلا بقدر ما انه يرى انه غير منسجم مع هذا المناخ ويحتاج الى مناخ اخر مناسب له وهؤلاء يسمونهم بالمتمردين على المجتمع ورغم رفضي لهذه التسمية الا انه لا مانع لدي من ان اكون واحدا من هؤلاء المتمردون .
لو اردت ان اتحدث عن الاسباب التي جعلتني ارى المجتمع غير ملائم لي فسأقول كثيرا وربما مجموعة مقالاتي عن مصر المجتمع  - ما كُتب وما سيكتب – ما هي الا محاولة مني لابراز اسباب تمردي ورفضي له ولكني هنا اتحدث عن كيف رأيت وراني المجتمع .
كثير من الافراد في حياتي رفضوا كوني متمردا وسعوا بكل الطرق الى ان اعود الى درب المجمع ولكني رفضت متمسكا برفضي لاني لا اقبل ان اكون جزء من كيان لم اختره واذا رفضت قوانينه ساكون خائنا لنفسي وله.
فلماذا يجب ان ارتدي ملابسي بطريقتهم ؟! لماذا يجب ان اتناول وجباتهم ؟! لماذا يجب ان اكون مثل فلان وعلان ؟! لماذا دائما يجب ان اسأل كل البشر عن الطريقة التي اعيش بها ؟! لماذا يجب ان اكون جزءا من الجميع اسير في دربهم واقف عند منحنايتهم ؟! .
ارى ان السباحة ضد تيار المجتمع المليء بأمراض المظاهر الكاذبة ، بالعنصرية ورفض الاخر ، بكسل سخيف ، بعصبية لكل ما يملكون ، بتدين كاذب قشري ، برفض النقد ، بتدخل في شئون الاخرين تجت اسم "العِشرَة" وغيرها من الامراض أمرا محمودا بل واحث نفسي دائما على الاستمرار فيه.
بالطبع هناك ميزات في المجتمع المصري بلا شك ولكني دائما ما اسعى لان افعل ما اراه صحيحا دون اي مخالفات دينية صريحة دون التركيز هل هذا يوافق هوى المجتمع ام يخالفه ؟!
تحت اي مسمى ، انا لدي حياتي الخاصة وبالطبع احمل جوانب الخير والشر ، فنفسي كنفس البشر الهمها الله فجورها وتقواها ، اسعى في اوقات كثيرا  تجنب فجورها وتحسينه وتعديله والعودة للمسار السليم ولكن هذا لا ينجح دائما .
وبما ان كل البشر مثلي ، فعلى كل انسان – في رأيي – ان يلتزم بنفسه بمواقفه وبشخصه طالما هو سعيد به ، ولا يغير نفسه فقط ليسعد شخصا اخر ، المهم ان افعل ما اريد كيفما اريد ما دام الله يرضى  هذا الفعل.
في رأيي ، معايير البشر مختلفة ، فالخطأ عن فلان قد يكون صوابا في عين علان ، فمثلا قد يرى البعض الانسان الذي يعتذر عن اخطائه دائما متسامح وقد يراه البعض بلا كرامة ، وهكذا !
مع الوقت اصبحت لا اهتم بنظرة المجتمع لي ولا بمن يقول عني مجنونا ، مغرورا ، مدعيا او شخصا بلا قيمة، لماذا اهتم بذلك ؟!
ان لن اتدخل في عينيك ورؤيتك لي ، فلا تتدخل في شخصي وتؤمرني ان افعل كذا وكذا فقد اكون انا المصيب وتكون انت المخطيء وقد يكون العكس صحيح !
اريد فقط من المجتمع تقبلني كما انا عليه ، ومن لا يراني كما ينبغي ان اكون – في رأيه – فأرجوه بشده ان يتركني كما انا او يبتعد عني فلقد خلقت لاعيش حياتي لا حياة شخص آخر
اسمي هو مصعب وافعالي يعرفها الله اكثر منكم ، وهو وحده من يحاكمني ، اما اي شخص آخر فمن هو ليحكم علي ؟! انا كما انا الان ومن حق افراد المجتمع قبولي كما انا او رفضي وان شعروا بي ارتكب خطأ ، فأنا لا اطلب فقط سوى النصيحة وانا امتلك العقل لافكر واحكم واقبل النصيحة او ارفضها !
اراكم قريبا

الاثنين، يناير 21، 2013

مصر المجتمع : العنصرية




عندما تحدث علماء النفس عن الانطوائية والانبساطية ووزعوا صفات الانسان بين انطوائي مثالي وانبساطي (اجتماعي) مثالي ، اوضحوا انه في واقع الحياة لا يوجد مثل هذا النوع من المثالية ولكن الانطوائية والانبساطية تتوزع على البشر بنسب مئوية ، فمثلا الشخص الانطوائي يمتلك سبعين بالمائة من صفات الانطوائية و الباقي انبساطية وهكذا .
ولو اننا تأملنا القرآن العظيم لوجدنا ان الله وسع الدائرة فقال : " ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها " لذلك فالله وزع الفجور والتقوى على البشر ولكنه اضاف " قد افلح من زكاها * وقد خاب من دساها " فأصبح الانسان في مقدوره ان يزيد من التقوى او يقلل منه .
لو أخذنا من المقدمة الى عنوان الموضوع " العنصرية " سنجد ان كل بشري على الارض يمتلك نوعا من انواع العنصرية قد تظهر في مواقف عابر أو قد تصبح نموذجا حيا .
بعد ثورة يناير وفي اطار التحول الاجتماعي ، ظهرت العنصرية بقوة وبشده في أحداث متتابعة بدءا باستفتاء مارس وصولا الى لحظة كتابة هذا المقال ومرورا بأحداث محمد محمود ومجلس الوزراء وغيره
لو تأملنا دقائق الاحداث منذ قيام الثورة ستجد ان التربة الاجتماعية تألقت فيها نبته العنصرية والانحياز بشكل مبالغ فيها فأصبح الكل يلعب في صف فريق ما ، فإما مع الثورة او فلول ، وإما مع الثورة أو مع العسكر – فلول أيضا – ، إما ان تقول لا للدستور لتصبح مع الثورة إما ان تقول نعم للدستور وتصبح من الإخوان أو من – على حد تعبيرهم – الخرفان !
اصبحت الخلافات السياسية عداء والسبب وراء ذلك هو العنصرية ، فالطفل المصري وجد اباه قد يتشاجر مع الجار بسبب مشكلات بينه وبين ابن جاره ، وقد يكون الابن مخطئا الا ان الاب لا يسعه الا ان يهاجم الطرف الآخر دون ان يتساءل عن المخطيء أو ربما دون ان يعرف ماذا جرى ؟!
ايضا يتم زرع حب الدين بقوة في نفس الطفل ليس بمبدأ " لكم دينكم ولي دين " او بمبدأ " من يشاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" ولكن بميدأ الآخر مفسد ومصيره جهنم ، فمع اول شجار بين مسلم ونصراني تتحول القصة الى فتنة طائفية مشتعلة.
الطفل الذكر يتم معاملته في بعض العائلات على انه الرجل وحامل اسم العائلة وكل هذه المرادفات ؛ لذلك يشعر الطفل بأن من حقوقه ان يفرض رأيه وسيطرته على الأنثي بحكم ذكوريته وهو لم يخترها وبالتالي تتولد لديه العنصرية ضد المرأة بحكم انه السيد وهي الخادمة ، ومن هنا يتولد عند الفتاة عنصرية مقابلة لتواجه عنصرية الرجل ، ومن هنا ظهرت جمعيات حقوق المرأة وغيرها.
وفي بعض الاسر الأخرى تدلل الفتاة أكثر من الصبي فيتولد عنصرية واحساس بالأفضلية كونها أنثى على أخيها الذكر ، فيرتفع الاحساس بالغرور الذكوري (male ego) ويتحول الى عنصري ضد كل أنثى .
لو انتقلنا الى مباريات كرة القدم ، لم تخلو من العنصرية فالزملكاوي يرى الأهلي فريق يفوز ببركة الحكام وتزويرهم والأهلي فريق يحتكر النجوم ويشتريهم ، في حين ان الزمالك في عين الأهلاوي فريق ضعيف لا يصلح القول عليه بقطب الكرة المصرية مع النادي الأهلي .
بعد الثورة حينما اصبحت السياسة متاحة للجميع وكل انسان له الحق في ابداء رأية ، ظهرت القبلية والعصبية والعنصرية ، فكثيرا ما كنت اسمع من اصدقائي الليبراللين والاشتراكين والعلمانيين مقولة " الاخوان تجار الدين " وعلى الطرف الآخر " العلمانيين الكفرة " مع انك قد تكون إخواني دون ان تتاجر بالدين ، وقد تكون علماني دون ان تكون كافر.
السبب وراء كل هذا هو ذلك الستار الفكري والنفسي بين طرفي اي نزاع سواء سياسي او اجتماعي او رياضي او ديني ، فالغني لم يجرب التعامل مع الفقراء فاعتبرهم " فلاحين " والفقير لم يتعامل مع الغني فاعتبره فاسق مبذر ، المسلم لم يفهم حقيقة دينه ولم يقرأ عن الأديان الآخرى فعداه  وهكذا النصراني، الأهلاوي لم يفكر يوما في متابعة مبارة للزمالك بغية الاستمتاع بالمشاهدة ليحكم بالحق على أداء الفريق وهكذا فعل  الزملكاوي ، الاخواني لم يقرأ عن الأفكار المختلف واكتفى بما يسمعه هنا وهناك من مفاهيم خاطئة فهاجمهم وهكذا فعل العلماني .
اذكر موقفا حدث في الجامعة حين تساءل رئيس اتحاد طلاب الجامعة الامريكية الاستاذ نادر بكار عن ان الحكم بالاسلام والعودة للعصور الوسطى والمعروفة باسم  عصور الظلام كارثة على المجتمع ، ولو انه قرأ قليلا لاكتشف ان المسلمون كانوا في أزهى عصورهم ابان العصور الوسطى والأوربيون هم من كان الأمر بالنسبة اليهم عصور ظلام.
الكارثة في مصر ليست الاختلاف بل عدم قبول الاختلاف الناتج من الجهل بالآخر والناتج من التعامل العاطفي مع الأمور وليس حكم العقل والناتج من الناتج من العنصرية المصرية التي ترفض حتى التفكير
أمر آخر وهو فكرة المفهوم الخاطيء والمسبوق عن الأفراد والأماكن او النمطية (Stereotyping) فكل محافظة معروف عنها أمر ما مخجل ومسيء فهناك الأغبياء والكذابون والبخلاء وغيرهم ، مع ان فكرة التعميم فكرة غير مقبولة وغير حقيقية ، ومن هنا تتولد العنصرية من رحم الافكار الكاذبة
لو تخلص المصريون من عنصريتهم لتخلصوا من الازمة الكبرى التي تواجههم يوما وراء يوم في التعامل مع السياسة او حتى مع المجتمع.

الخميس، يناير 10، 2013

مصر المجتمع !




لن انسى ابدا ذلك الحوار الذي دار بيني وبين صديق لي حين قلت له :- اعترض تماما على ما قاله مصطفى كامل " لو لم اكن مصريا لوددت ان اكون مصريا " فالحقيقة انه لو لم يكن مصريا لكان تمنى ان يبقى على جنسيته التي ولد بها فهو نوع من ما يسمونه الوطنية.
حقا هذا ما أراه ، فلابد دائما ان نفهم معنى الوطن قبل ان ندخل في تفصيلات اعمق ولا معنى لها فما هو الوطن ؟ هل هو تلك الارض التي ولدت فيها ؟ هل هو الاهل والاحباب والاصدقاء ؟ ام هو الذكريات والذاكرة – كما تسميها احلام مستغانمي - ؟ ام انه كل هذا معا ؟!
الحقيقة انه لا يوجد شخص عشق وطنه قدر عشق النبي محمد صلى الله عليه وسلم لمكة ومع هذا لم يجد غضاضة في ان يهاجر منها دون ان يعلم هل سيعود يوما ام ما ؟ الهجرة اتت لان الفكرة يصعب تطبيقها مع هذا الشعب في ظل ثقافتهم الرافضة للتغيير .
كان الله قادرا على ان يولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم في المدنية منذ دون ان يضطر للهجرة لكنه اراد ذلك حتى تكون حقيقة خالدة ، الوطن فكرة والفكرة لا تموت .
لن انكر انني كنت من اشد المتمسكين بقضية الوطن الارض ، وانني رافض تمام الرفض ان احصل على جنسية دولة أخرى وانني مصري حتى النخاع .
ولكن الحقيقة ان بعد الثورة والانفتاح التواصلي بين الشعب المصري خلق نوعا من انواع تعميم المشكلة فالآن استطيع القول ان المشكلة الاجتماعية التي عانيت منها منذ الطفولة هي مشكلة شعب لا مشكلة فردية .
فالطفل المصري يولد محملا بالعديد من الاسئلة منها : -
كيف وُلدت ؟ لماذا هذا الرجل ابي ؟ من خلق الوجود ؟ من خلق الله ؟ والكثير من الاسئلة المتشابهة والاجابة اما على اول سؤالين في الغالب تكون اجابة ساذجة يستخفوا فيها بعقل الطفل ، اما الاجابة على الاسئلة المتعلقة بالخالق إما ان تواجه بالعنف والنهر الشديد وإما ان تواجه بمقولة " حب ربنا " ويظل الطفل دائم السؤال عن سبب حبه لله الذي لم يراه ولم يشعر بفضله عليه فإما ان يتحول هذا الطفل الى ملحد – حتى وان اخفى الحاده – او فقط محب لله ومحب للوطن ومحب لاهله دون ان يدري السبب في حبهم .
هنا تبدأ المشكلة ، التعامل مع كل شيء بمنطق " الحب " والحب وحده بلا سبب ، وكأنه يجب عليك لزاما ان تحب كل هذا دون ان تفكر ، فقط لابد ان تحب دينك وتحب افكار اهلك وتحب قوانين مجتمعك وتسير خلفا للقطيع .
فالطفل الذي يولد في مجتمع مؤيد لفكر التيارات الاسلامية (إخوان – سلفيين- صوفيين) تجده بالضرورة يلتزم بهذه الافكار فيسمع عنها قصصا براقه ومفاهيم عظيمة كما انه يسمع عن الافكار الاخرى انها سيئة مخطئه ضاله منحرفة ، وهكذا الفريق الآخر حينما يولد طفل في مجتمع علماني – رأسمالي – اشتراكي تجده مؤمنا بأن هذه النماذج هي نماذج ناجحة وأن التيارات الاسلامية تيارات تتاجر بالدين وتقلل من قيمة الدين بإشراكه في السياسة ويسمع كل هذه الاراء من اهله أي من اعداء الفكر .
قليلون هم من فكروا في قراءة الافكار الاخرى من مصادرها فيصبح الشاب الصغير الذي ينتمي والده للاخوان المسلمون محظور عليه قراءة كتب عن العلمانية والشيوعية وغيرها ويخظر على من ينتمي اهله لتيار علماني ان يقرأ كتب الامام البنا او ابن عثيمين !!
حتى في الاديان ، فالمسلم يحظر عليه ان يقرأ في الانجيل او ان يتحدث مع نصراني عن دينه وهكذا النصراني لا يجب ان يقرأ القرآن بل يجب ان يؤمن تمام الايمان بأن دينه الاصوب ولا مجال لأن يفهم حتى السبب خلف ذلك الايمان الصارم والالتزام الكامل بدينه ، ولهذا تجد ان نسبة كبيرة من الطرفين فقط تتعصب لدينها ولو قلت لهم تستطيع ان تغير دينك او تغير فكرك يصبح هذا امرا كارثيا .
ولهذا تجد ظاهرة التدين القشري للأغلبية من الاغلبية – أغلبية المسلمين – تنتشر بشدة ، حجاب غير شرعي و تعصب للدين في غير محله وفي غير حقيقته.
فكم من مسلم قرأ القرآن فاهما لمعانيه قادرا على توصيف هذه المعاني بشكلها الحقيقي ؟! قليل هم من قرأوا وتفكروا في دينهم العظيم وقليل هم من توصلوا الى ان الاسلام دين ودولة ولا تستقيم شئون الحياة الا به ؟ قليل هم من قالوا " لا اله الا الله ، محمد رسول الله " عن فهم كامل لمقتضيات هذه الحقيقة لذلك ليس من المدهش ان ترى شابا فرغ من الصلاة ثم خرج ليتحرش بأنثى وكأنه فهم نصف الدين او جزء مفضل لديه .
المشكلة في المجتمع المصري في تعصبه لدينه وتعصبه لفكره وتعصبه لوطنه هي فقط تغليب العاطفة على العقل دون التأمل في ما يمتلكون .
الاسلام والقرآن دعا للتفكير والتأمل ، وكثيرا ما نرى " أولي الالباب ، أفلا يعقلون ، أفلا يتدبرون" وغيرها على نفس السياق .
هناك احصائية تقول ان 90% من البشر يقفون في جانب مؤمنون بهذا الجانب متعصبون له رافضون تغييره وما يسمونه بالانحياز، و 8% من البشر لديهم المرونة في الاستماع للرأي الآخر والتعليق عليه ومناقشته اوما يعرف باسم التبادلية ،أما النسبة الضئيلة وهي 2% فهؤلاء الذين يقفون بين الطرفين مع الاستماع لكليهما والحكم بحيادية والوصول الى مرحلة الطرح والتقمس أي طرح الانتماءات السابقة والتعامل مع الرأي وليس مع مطلق الرأي ، و تقمس شخصية وعقل وعين الآخر[1] .
وأظن اننا لو طبقنا هذه النظرية على المجتمع المصري لربما تنحرف بنا النسبة الى 97% منحازون و 2% متبادلون و 1% محايدون.
لو ان المصرييون قرورا الخروج من الدائرة وتحليل ادق التفصيلات والوصول الى نتيجة لحلت كل المشكلات ولكن المشكلة كما وصفها الراحل جلال عامر : تحاورني احاورك ، تخالفني اقتلك !


[1]  ذكرها الدكتور نبيل فاروق في كلمته في التي القاها في TEDx ShibinelKom بتاريخ 16-12-2012