الاثنين، مايو 04، 2015

وأعدت حقائب السفر ..


يحزم حقائبه، يراجع كل شيء مرة وأخرى، نعم كل شيء على ما يرام لم يترك أيًا من حاجياته 
يجمع حقائبه ويستقل أقرب وأسهل وسيلة مواصلة تعينه مع تلك الحقائب لينتقل لعنوان جديد وروتين جديد
لسنوات تجاوزت الأربعة لم أعد امتلك عنوانًا أعيش فيه، كل عدة أشهر انتقل من مكان لمكان منذ أن قدمت من قريتي الصغيرة إلى أضواء القاهرة !!
حقيبة السفر أصبحت أهم من أي شيء، مكانها معروف في خزانة الملابس، لا أهتم بنقل كل شيء لأني على علم بأني سأرحل من هذا المكان قريبًا ولا يجب التعامل معه على أنه مكاني الدائم!!
 يُذكرني بالجسر !!
هل تعلم الجسر؟ هل فكرت يومًا وانت تعبر الجسر في التأمل قليلًا فيه؟ هل الجسر فقط معبر بين أرضين يفصل بينهما غالبًا مسطح مائي؟ أم أنه شيء آخر؟
الجسر يعبر بك من مكان لمكان، ربما يتغير احساسك قبل وبعد العبور، ربما تقابل أشخاص مختلفين، ربما تعيش حياة أخرى، وربما يكون الجسر فاصلًا بين حياة وحياة ومجتمع وآخر.
البيت ذاته، فهل البيت هو غرف مختلفة كل منها وظيفة محددة، فهذه للنوم وأخرى لطبخ الطعام وثالثة للجلوس ولقاء الأصدقاء؟
البيت يختلف كثيرًا عن المأوى، البيت ليس ملجًأ تنام فيه ليحميك من برد الشتاء وقسوة الصيف، البيت وطن، البيت حياة!!
حينما تبتعد عن بيتك، حينما تتوه وسط الزحام، تصبح جزءًا من أي مكان، لبرهة تعيش فيه، ومهما طال الوقت قلبك وروحك وعقلك على علم أنك لست باق فيه وتعيش دائمًا بفكرة الزبون المؤقت في البيت المؤقت مع أشخاص ربما يكونوا مؤقتين في حياتك!
تختلف الحياة في عينيك، يختلف طعم الأكل في فمك، فأصبح الطعام ضرورة يومية لاستمرار الحياة وتنظر بفارغ الصبر يوم عودتك لبيتك الحقيقي وتذوق الطعام من أمك، فمهما كان حلوًا أو مرًا يبقى دائمًا الأطعم والأجود.
تختلف نظرتك للأشياء، فكل شيء مادي باهت، هل أخرج اليوم أم ان النقود لن تكفيني لآخر الشهر؟ هل اتناول عشاءي في مطعم فخم أم الميزانية لن تكفي؟
في بيتك لست كذلك، في البيت تغمض عينيك دون ان تفكر في شيء، ربما تسمع "خناقة" أمك مع أخيك و"زعيق" الأخ الأكبر للأخ الأصغر ولكنك تشعر بالراحة.
مهما ابتعدت عن البيت، تعود إليه ولا تفكر سوى في الراحة، تنام وكأنك لم تنم من قبل، وتتناول الطعام وكأنك جائع منذ أعوام!
يصبح كل شيء في غرفتك له معنى، ألوان الجدران، ملاءة السرير، والمشهد الذي تراه من النافذة، كل شيء يصبح لونه مختلف واحساسه مختلف!
مهما انتقلت من مأوى لآخر، ومهما تركت فندقًا عاديًا لتعيش في آخر خمس نجوم، ستنتظر الأيام تمر لتعود بعدها لتتنفس روح البيت!!
فأخيرًا انت في بيتك ولست في المأوى

 أخيرًا لست في حاجة لتجهيز حقيبة السفر

الجمعة، أغسطس 15، 2014

أبي ... 5 سنوات والجراح واحد




أذكر أنه كان يومًا حارًا والساعة لم تتجاوز التاسعة صباحًا
ايقظتني أمي لأحضر الإفطار
ارتديت ملابسي وخرجت نصف نائم، أردد ما طلبته مني أمي حتى لا أنساه
وعدت، سمعت صوتها تناديني بالصعود للطابق الثاني وإحضار الطعام لأبي
دخلت غرفته، ألقيت على أبي تحية الصباح فأجابني بإشارة
جسد ممدد، حتى بعد مرور أيام على تعبه منذ خروجه من المستشفى، ما زال مشهد جسده الممدد على السرير، وأنات الألم المتتابعة، وأصوات الآهات المتكررة، غريب على عقلي، ويُعجز قلبي.
وضعت الطعام لأمي وخرجت، لم أكن اتحمل نظرة عينيه لي، كانت تحمل شيئًا من العذاب، لم أكن أدري وقتها أنه عذاب الفراق.
حاولت طرد المشهد من ذهني، حاولت العودة للنوم من جديد، ولكن صرخة قادمة من غرفة أبي غيرت كل شيء.
كنت أول الواصلين للغرفة، أبي يتسند على أمي وعيناه صفراء اللون، شاحب الوجه، جزء من الطعام في فمه والآخر رفض إطعامه، نظرات رعب ملأت قسمات وجه أمي، ونداءات مستغيثة كانت ما نجحت في القيام به.
وقفت عاجزًا، لم أدر ماذا أفعل؟ نظرة أبي جمدت الدماء في عروقي، نظرة بقيت ما بقي عمري، كانت إذًا نظرة الموت.
صعد أخي وخلفه الجيران، محاولات للتواصل مع طبيب، أبي يطلب الدخول للحمام، أو ربما يريد أن يشعر بأنه ما زال حيًا.
يحضر الطبيب ويأمر فورًا بنقله إلى المستشفى، أبي عاجز على الحركة، فأسرع مع أخي لحمله، أمسكته من قدمه اليمنى وألبسته حذائه، يا الله تبدلت الأمور الآن وأنا من اعتني به لا هو.
تحركنا في الشارع، كنت دائم النظر لوجه أبي الخالي من الدماء، كان يلتفت يمنة ويسرة، ربما يلعن الأسباب التي جعلت الجميع ينظر إليه وهو عاجز غير قادر على السير، يحمله رجال أربعة، ربما لم يكن يريد الشعور بذلك إلا وقت الموت.
انطلقت السيارة، تحرك معه أخي وبقيت أنا، عدت للمنزل، دعاء ورجاء، اكتب على مدونتي "برجاء الدعاء، أبي مريض" واجلس انتظر.
أخبار تتوارد، أبي في المستشفى العام بأشمون، تحرك لشبين الكوم، الحالة أفضل، الحالة أسوأ، الأطباء يحيطون به.
احتشد الأهل في المنزل، اقرابي، وأختي أتت من القاهرة، وأصبح البيت موجة هادرة.
صلينا الجمعة، وبعدها العصر، لا جديد يُذكر، وبالقرب من المغرب، أتى طارق يحمل خبرًا، يخبره لأمي فتنفجر بالبكاء والصراخ، عرفنا الخبر، الأستاذ صلاح البوهي رحل!!
ماذا؟!! خبر جاء كالصاعقة، أتساءل من؟! كيف؟!! وتأتي الإجابة في صراخات العمة والخالة، "يا صلاح... لا يا صلاح" ليأتي سؤال لماذا؟!!
صعدت الدرج لا أدري كيف، رائحة الموت غطت على كل شيء، أمر بغرفة أبي فأراه جالسًا يتابع التلفاز أو يقرأ الصحيفة كعادته، وقلبي يردد ألف مرة، لماذا؟ كنت أراه هنا، أتقولون حقًا أنه لن يعود مجددًا، أتقولون حقًا أنني لن أكون قادرًا على متابعة مباريات الكورة معه؟
لم أبك ... ربما من العجز، أو ربما من الرفض، أو ربما لكل هذا وذاك، كيف ترحل وتتركني؟ كيف تركت حمام الموت البشر لتأخذ روحك أنت بالذات؟ لماذا يا أبي؟
خرجت بعدها من المنزل، الكل ينظر إليك ويقول البقاء لله، فجأة يشاهد عقلك كل المشاهد السعيدة التي جمعتك به، فجأة أذكر يوم كتبت خاطرة يوم ميلادك فاحتضنتني، اذكر حضنك وكأنك تودع روحك في جسدي، ولم أكن أدري أن روحك كانت تودعني.
اذكر يوم كنت مريضًا صائمًا، حملتني على درجاتك، كنت تنظر إليّ بعيون الخوف، كنت تجري بالدراجة خوفًا من أن تذبل زهرتك الوارفة ويضيع عمري، بقيت حيًا ولكنك من رحلت
أذكر بعد إجراءك لعملية الطحال، كتبت خاطرتك "الأمومة والطحال" وطلبت مني أن اقرأها، طلبت مني رأيي، لم تكن تريده ولكن كنت تريد إشعاري بأني كاتب ناجح له مستقبل.
شريط يمر بذكريات أجبرتني على البكاء، وصوت المنادي من بعيد يُنعي وفاة أبي، يردد أسمك ودون أن يدري، يقتل قلبي.
المغرب يؤذن، جثمان أبي في الطريق، وصديق يطلب مني الصلاة والدعاء له بالرحمة، صليت دون أن ادعو له، لم يصدق عقلي بعد أن أبي رحل عن الدنيا ولا يجوز عليه سوى الرحمة.
عدت من الصلاة، أخبروني ان الجثمان وصل، أخبروني أنه يُغَسل، أصررت على الدخول، وشاهدته.
أبي، يرقد مبتسمًا دون كلمة، لماذا لا تتكلم يا أبي؟ لماذا تترك هؤلاء البشر يغسلونك؟ أبي انت حي، استيقظ أعلم أنك تسمعني، وددت لو أبعدتهم عنه، وددت لو صرخت فيهم، وددت لو صرخ هو فيهم، ولكن لم يحدث شيئًا من هذا.
الآن يكفنوه، وترحل الجثمان للمسجد، الآن أفقد الحياة وأتوه في دوامة لا أعرف مداها، لن تكون الليلة كمثيلتها من الليالي، لم يمر اليوم كما مر سابقه.
نتحرك في الجنازة، البعض يسندني وأنا اتحرك كالأنعام، أحدهم يعزني، ولا أدري ماذا يحدث؟ فقدت القدرة على التجاوب مع الحياة، فقدت نور الحياة.
جثمان أبي وارى التراب، البكاء في كل مكان، بكيت بحرقة، وحضنه ما زال يضمني، ما زالت أسمع نبضات قلبه تدق بداخلي، ما زالت ألمس روحه في كل حركة أخطوها، ما زال بجانبي حتى بعد الرحيل.
يمر اليوم، بطيئًا متثاقلًا، دموعي خرجت أحيانًا، ومؤشر الحياة في قلبي يرفض الحراك، أصمت واذكر، لم ترحل الذكرى من قلبي، الحضن، نظرات اللهفة والخوف، مداعبته لي، ثناءه على ما أكتب، صراخه في وجهي، كل شيء تحطم في لحظات، كل شيء تحطم في كلمة من طارق، أبوكم مات !!
تمر 5 سنوات، لا يهم كم من العمر مضى وكم آتٍ، ما زال الجرح واحدًا، وما زال ضمة حضنه تنير قلبي وتحرك شجني، أبي مهما تعاقبت السنوات سيبقى رحيلك إيذانًا للكون بالدمار، لا أذكر بعدها أني فرحت بالعيد، لا أذكر بعدها أني أحببت أحدًا مثلك، لا أذكر بعدها أن قلبي توقف عن البكاء عليك، لا أذكر سوى أن جسدًا وارى التراب، لتتوه بعدها روحي في محاولات النسيان!!
رحمك الله يا أبي !!

الجمعة، مايو 23، 2014

حتى لا تفقد جلالتها !!




ما زلت أذكر يوم أن أخرج أبي دفتره وقدمه إليّ قائلا "ما رأيك؟"، يومها كنت مندهشا، فها هو قدوتي وأفضل من يعرف اللغة العربية وأستاذ الكتابة الأدبية ورفيق البلاغة وتلميذ الإبداع-في عيني-يطلب رأيي فيما يكتب!!
أعلم أنه فعل ذلك تشجيعا لي، فهو يرى طفله الصغير يعشق الكتابة ويبحث عن الحقيقة ويسطر تحقيقات صحفية ومقارنات بين مرشحي رئاسة مصر وهو لم يتجاوز عامه الخامس عشر!!
شجعني كثيرا ودفعني لجمع كل ما أكتب في مفكرة صغيرة، وكان دائما يردد على مسامعي "غدا... ستنير سراج الحقيقة في بلاط صحابة الجلالة".
أتى غدا.... تسعُ سنوات مرت لأجد نفسي عاملا في بلاط صاحبة الجلالة، أجتهد في البحث عن الحقائق وأرصد أحلام وآمال وفرح وهم الإنسان!
عفوا... هذا ما كنت أتمناه، فالحقيقة أنني لا أجتهد في البحث عن شيء ولا أرصد شيء، فبلاط صاحبة الجلالة اتسخ بالمنافقين، وأصبح حكرا على الوصوليين، لقد أصبحت الصحافة مؤخرا مجرد مهنة!
لا أحب العيش بلا مبادئ أو قيم، وأكره ذلك الصحفي الذي يتحدث عن مهنته قائلا "أكل عيش"
فيا أيها الصحفي، إذا لم تكن على دراية جيدة بأن دورك الحقيقي هو تنوير الشعوب والبحث عن الحقيقة والوقوف بجانب المظلوم وأنك صوت من لا صوت له ودورك الدفاع عمن لا يمكنه الدفاع عن نفسه فاكسر قلمك، إذا كنت فقط مجرد موظف يخرج من بيته خماصا ليعود بطانا دون هدف فاكسر قلمك، إذا كنت مجرد أداة لنظام قمعي ظالم جائر فاكسر قلمك، إذا خُيرت بين الحياة أو الحرية فاخترت الحياة على الحرية فاكسر قلمك، إذا وقفت أمام الطاغية عاجزا منكسرا تناديه "سيدي" وتناجيه بالعفو والرحمة متجنبا غضبه فاكسر قلمك، إذا شعرت بأنك تتاجر بهموم الناس وآلامها من أجل "تحقيق صحفي ناجح" تحصل فيه على مكافأة مالية فاكسر قلمك!
لا أحترمك وأنت تكتب في الصباح عاش الملك لأن تعمل في أحد جرائده، وتصرخ في المساء يسقط الملك لأنك في قناة المعارضة، لا أحترمك وأنت تضطر لكتابة شيء لا يوافق الحقيقة لا لشيء إلا على تخوف من فرعون وملائه أن يفتنوك !
أرجوك إن اردت العمل في بلاط صاحبة الجلالة، فلا تدنسه. لا نريد أن يعلوا الطين الحقيقة، لا نريد أن يتردد في جنابته صوت الباطل، لا نريد لصاحبة الجلالة أن تفقد جلالتها !!

الاثنين، سبتمبر 02، 2013

نداء الى الوطن المنسي !!






كنت سابقا أظن انه لا يوجد ما يعرف باسم الاختلاف الكامل بين البشر فحتما يوجد ما يمكن ان يتفق عليه الجميع، كنت اظن ان الإنسانية هي المبدأ الأساسي الذي يتوافر في كل بني انسان والجامع لنا.
اشتعلت الحرب في غزة عام 2008، كنت ابكي وانا انام وأصحو على قتلى ماتوا حتى لا تنفجر كروش قيادات الجيوش العربية وهم يتجاهلون اتفاقية الدفاع المشترك، كنت أظن اننا جميعا نبكي ولكن لم نكن، وجدت اعلامنا الذليل يتحدث عن دور مصر التاريخي وتوجه اللوم على حركة حماس المجاهدة المناضلة وكأنها كانت مذنبة حينما دافعت عن آخر ما تملك الكرامة والأرض !!
تصورت ان هذا موقف الاعلام ولكن الشعب ليس كذلك، حتى وجدت بعض من المصريين يفعلون الشيء نفسه، يلومون المجني عليه ويتركون القاتل يبرح في قتله !!
قلت ربما يكون البعد الزمني وعدم الإحساس المباشر بالقضية، وربما تكون الأزمة المصرية مسيطرة !!
حتى قامت الثورة المصرية وما حدث بعدها، والآن وبعد ما يسمونه كذبا ثورة يونية او الموجة الثورية الثالثة لثورة يناير وما حدث بعدها من أزمة تفشل كل من علوم الاجتماع والنفس أو حتى العلوم الطبيعية ان تفسرها !! نتحدث عن كارثة تدمر المجتمع والإنسان والسياسة والجيش والدين وكل شيء !! ما حدث ان القاهرة تشبعت بالدماء؛ لا يوجد مكان نمر به الآن الا وقد اريق فيه دم مواطن حر بريء كل ذنبه أنه آمن بالحرية في دنيا العبيد آمن بالحق في دنيا الكذب آمن بالنور في دنيا حظر التجوال، مقتول كل يوم نحسبه شهيدا فمنذ 25 يناير 2011 حتى الآن وميادين القاهرة غطاها اللون الاحمر من ميدان التحرير لرابعة لمحمد محمود، مجلس الوزراء، ماسبيرو، ميدان لبنان، ميدان مصطفى محمود، لاظوغلي، النهضة وغيرهم الكثير !!! انتقل الدم الى محافظات أخرى فخضب الاسكندرية، الدقهلية، بورسعيد، الغربية، الاسماعيلية وغيرها !! ما أتعس ان ترى في لحظات موتك القاتل مبتسما فرحا بنصره وحوله أهلك يصفقون بإنجازاته !! ما أصعب ان ترى الجموع الأخرى تصافح سافك الدم وتدين له، ما أقسى ان ترى صورته معلقة في كل منزل وحارة !!
ما حدث في مصر تجاوز كل الحدود، كل القيم، كل المثل ... حريتنا أصبحت حرية داعرة تقضي على من يختلف مع القطيع، فلا يجب ان ترفض رأي الأغلبية والا غلبك طغيانهم، لا يجب ان تعترض، ان ترفض، ان تصرخ .. ممنوع عنك حتى البكاء
"الظلم الذي استشرى وتوحش لم يدمر مجتمعاتنا فحسب، ولكنه شوه ضمائرنا أيضا حين سحق إنسانيتنا وداس على كبريائنا حتى صرنا نلتمس الخلاص على أيدي من يوالون أعداءنا ولا يتمنون الخير لنا، فاستبدلنا ذلا بذل"[1]
والسؤال الذي يطرح نفسه: هل نحن من أمة الله المنصورة الموعودة بالإستخلاف في الأرض والتمكين في الدنيا والشعور بالحرية والأمان؟ ام اننا من الذين يجب استبدالهم ومحوهم وانتظر الجيل القادم المؤهل للنصر !!


[1] فهمي هويدي في مقاله (في مقام الرثاء والاعتذار) في الشروق بتاريخ 29 اغسطس 2013

الثلاثاء، يوليو 09، 2013

ليلة في رابعة !





وصلت الى ميدان رابعة العدوية عند منتصف الليل تقريبا فدخلته عن طريق شارع الطيران بصحبة احد أصدقائي والذي يعتصم في الميدان منذ الثامن والعشرين من يونيه، سرنا انا وهو في الميدان مدة ساعة ونصف تقريبا أحاول ان اتابع جميع المداخل الموجودة في شارع النصر او الطيران وحقا كان تأمين الميدان امر صعب جدا ، فالتظاهرات كانت ليس فقط عند الميدان بل بطول شارعي النصر والطيران بالإضافة الي الشوارع الجانبية ، ولذلك أرى انه من الصعب إحصاء عدد المتظاهرين هناك لأن الميدان لا يشبه ميدان التحرير على الاطلاق في طبيعته الجغرافية.
طوال فترة سيري في الميدان كان صديقي(مهند) يشرح لي ما مر به الاعتصام من احداث وعن زيادة اعداده بكثرة خاصة بعد بيان السيسي ، وكنا نتأمل الخيام وحتى الأفراد المعتصمين وبجانبهم باعة يقومون ببيع البطاطا والدرة وخضروات وحلاويات وغيره ، فكان داخل الميدان كل ماتحتاجه.
حوالي الواحدة والنصف اتجهت صوب وزارة الدفاع متجها للحرس الجمهوري والتقيت واحدا من الشباب الذين كانوا في المجزرة ، وجدته مبتسما فسألته عما حدث ولكنه أجاب بأنه كان واحدا من الذين يقومون بنقل المصابين وانه لا يعرف الكثير عن بداية المجزرة ، وبالرغم من معرفته بأن وسائل الاعلام تتهمهم بالإرهاب الا انه ضحك وقال "عادي يعني، انا أساسا ماشي عكس الاعلام" وربما اسرد لي (اسلام) مجموعة من القصص وأيضا عن انطباعه ساعتها وسألته : هل كان هناك سلاح مع المتظاهرين؟ فأجاب: احنا كنا بنحدف بطوب وبس وان الضرب بالخرطوش وقنابل الغاز كان بطول صلاح سالم وشارع الطيران.
عدت بعدها من جديد للميدان لاداء صلاة الفجر، وعلمت ان البث قد قطع ولذلك تحفزت المجموعات المسئولة عن التأمين استعدادا لأي خطوة، وسألت صديقي (مهند) عن سبب بناء هذا السور فأجاب ان البلطجية كانوا يستخدمون "المتوسيكلات" في محاولة اقتحام الميدان ولذلك كان بناء السور أكثر امانا.
قبل الصلاة التقيت برجل يدعي (إيهاب الطيب) والذي كان واحدا ممن صلوا في جامع المصطفى وتعرضوا للضرب، فسألته كيف بدأت الضرب؟ فقال: عند الفجر واثناء الركعة الثانية بدأ الأمر بإلقاء مجموعة من قنابل الغاز باتجاه المعتصمين مع اطلاق الخراطيش بشكل عشوائي حتى ان المسئولين عن التأمين نبهو الامام والذي انهى الصلاة سريعا بعد ان تعرضت الصفوف الخلفية للضرب بالخرطوش او صعوبة التنفس بسبب الغاز ، وأضاف: الغاز ده كان اصعب من أيام 25 يناير ، ده حتى في طفل مات من الاختناق واحنا بنطلعه من الجامع وكان الناس الكبيرة بترجع دم ، انا معرفش ده عاز مسيل للدموع ولا غاز مثير للاعصاب، وعندما طلبت منه الخوض في التفاصيل طلب ان امهله حين تنتهي الصلاة وبعدها نعاين موقع الحدث بأنفسنا.
بعد الصلاة وفي انتظار إيهاب تعرفت على العديد من الشباب الذين – اقسموا – انهم لا ينتمون لأي أحزاب او جماعات وأنهم أتوا فقط إما بعد بيان السيسي لرفضهم الانقلاب او بعد مذبحة الفجر لمعرفة الحقيقة ومساندة الضحايا.
اتجهت بعدها انا وايهاب صوب الحرس الجمهوري وكان يقص لي قصصا عما حدث ، عن رجل مات وقبل فراقه وضع دمه على يد إيهاب وقال له: ادي دمي وهات حقي أو ادي دمي والحقني، فإيهاب اخبرني بأنه لم يميز الجملة الأخير.
عند وصولنا لمشارف المجزرة بدأت قطرات من الدم تظهر على الاسفلت ويحكي لي ان عند هذه المنطقة عاد الجيش ولكن من مات هنا مات من القناصة، وشاهدت اثر الطلقات على أعمدة الانارة والتي ظهرت بوضوح في طريق العودة حينما سطعت الشمس.
سألته: هل فكرتم في اقتحام الحرس الجمهوري؟
- كان فيه ناس بتفكر في كده، بس مش كل المعتصمين ومكنش في نية أصلا للاقتحام لما بدأنا الاعتصام
- كم عدد المعتصمين الذين تواجدو هناك؟
-       معرفش بالتحديد بس احنا كنا كتير وفي الصلاة كان فيه اكتر من الف او الفين واحد ده غير اللي بيأمن.
- وهي المسجد يستوعب الفين مصلي؟
- الناس كان بتصلي جوا الجامع وبراه ده غير ان السيدات كانوا في الدور التاني مع أطفالهم.
- وهل كان مع المتظاهرين خرطوش او أي نوع اخر من الأسلحة.
- (ضحك) لا طبعا ، وبعدين الناس كانت معاه أولادها وبيصلوا. احنا سلاحنا الوحيد كان الطوب.
- ولم يقم شخص واحد حتى باستخدام ملتوف او ضرب خرطوش؟
- كان فيه واحد جنبي بيقول انه عاوز يضرب ملتوف وبيدعي على اللي بيضربوا بس ده اخد خرطوش في رجله ومعملش حاجة. ولو كان معانا سلاح كنا فعلا ضربنا وموتنا لأن الواحد في الظروف دي مش بيفكر بس ساعتها كان بدل ما يموت 50 مننا كان مات الف ومن الجيش كان مات بالمئات.
- وبتفسر بإيه وجود ضحايا بين الجيش؟
-       معرفش أصلا موضوع الضحايا ده، بس انا عارف اني فيه ناس من الجيش امتنعوا عن الضرب وفيه منهم اللي كان بيبكي.
طوال الطريق كان يشرح لي الاحداث على ارض الواقع وكيف انهم كانوا يختبئون خلف السيارات ويلتفون حول العمارات، بين معركة كر وفر – على حسب تعبيره – وانهم كانوا يستخدمون اي شيء للاحتماء بداخله وانهم أيضا احتوا خلف الواح من الصاج الا ان الرصاصات كانت تخترق هذه الالوح وتصيب من يختبيء خلفها بشكل عشوائي فكانت نقمة عليهم.
استمر الحديث حتى وصلنا الى الاعتصام هناك ، عند الاسلاك الشائكة التي وضعها الجيش لمنع تقدم المعتصمين، وهناك لمحت حريق في احد الأدوار العليا في احدى العمارات فسألته عن هذه الحرائق فقال: احنا كنا بنهرب فوق للادوار دي بس الجيش رمى علينا قنابل غاز وكان فيه ورق ومستندات في شركة النيل اتحرقت وبعدها الحريق امتدت للدور كله، وبالفعل شهدت باقي الأوراق المحترقة.
وعندما وصلت للاسلاك الشائكة سألته عنها فقال
مكنش فيه اسلاك أصلا الأول، بس لما جابونا من عند جامع المصطفى لحد شارع خضر التوني كده وبعد ما رجعوا احنا قفلنا الشوارع بطوب لان المنطقة كلها قوات مسلحة ومش بعيد يلفوا حولينا واحنا مش واخدين بالنا
- وكم ساعة استمرت المواجهات؟
- بدأت بعد الفجر، وأول ما الشمس طلعت اوي بداو يتراجعوا، انا ما رجعتش ميدان رابعة ونمت غير الساعة 10 بس يعتبر الضرب خلص على 7 او 8 كده بس هم استغلوا تراجع الناس علشان يبعدوهم عن الحرس الجمهوري وكمان يقربوا اكتر من رابعة.
- ولماذا يبدأ الجيش بالهجوم؟ ما دوافعه؟
- المفروض تسأل الجيش انا معرفش، بس اظن ان العسكر قلقوا مننا فقالوا نبدأ الضرب ونحاول نفض الاعتصام واظن انهم كانوا عاوزين يوصلوا لرابعة ويفضوا الاعتصام هناك بس احنا منعناهم.
وعندي مشاهدتي لجنود القوات المسلحة سألته
- هل هؤلاء الجنود هم من اطلقوا عليكم النار؟
- لا مش دول ،دول غلابة ، اللي ضرب نار ظباط من المظلات وبتوع الشرطة العسكرية ، وعرفتها من الشارة بتاعتهم.
- كيف؟
- الشرطة العسكرية شارتها لونها احمر، والمظلات ازرق في احمر كده بس طبعا ما اعرفش القناصة كانوا مين.
-       هل يمكن ان نتوجه لمسجد المصطفى للمعاينة؟
- ما ينفعش، لو لفيت وروحت هناك الجيش هيفتشك ولو شك انك معتصم ممكن يعتقلك ده غير ان مش هعرف اشرح لك قدامهم، بلاش احسن
جلست فترة عند الاعتصام الذي احتوى اقل من مائة شخص تقريبا وعنده شاهدت قنابل الغاز ولكنها كانت خلف السور الشائك
وفي طريق العودة لميدان رابعة في الخامسة والنصف قابلت العديد من أصحاب المحلات في المنطقة وقالوا انهم لا يعرفون كيف بدأ الضرب فقد اختبأو حينما شعروا بوجود رصاص في الشوارع، وان الأكثر معرفة بمن بدأ هم سكان المنطقة عند جامع المصطفى، ولكني للأسف لم استطع الوصول هنا. ولكنهم اكدوا لي ان المعتصمين لم يكن معهم أي أسلحة وانهم لم يشاهدوا متظاهر واحد يستخدم سلاح او يلقي مولتوف.
عدت بعدها للميدان وفي الطريق شاهدت بقعا كبيرة من الدماء وقد احاطها المتظاهرون بطوب حتى لا تدهسها الاقدام ومكتوب عليها دماء شهيد.
عدت للميدان وجلست اتحدث مع بعض الباعة هناك ونفوا وجود أسلحة مع المتظاهرين.
وفي السابعة تقريبا تحركت من الميدان.
ربما تظن اني بحثت عن الحقيقة من وجهة نظر واحدة ولكني عرفت وجهة النظر الأخرى في المؤتمر الصحفي ولم اسأل الأطباء لأنهم ذكروا كل شيء في مؤتمرهم الصحفي وحاولت ان اسأل سكان المنطقة وحتى حاولت الوصول للجيش الا ان الامر كان شبه مستحيل
الخلاصة: لو انت عاوز تعرف الحقيقة انزل الشارع وشوفها مش تفضل قاعد على النت والفيس بوك بتعمل شير لفيديوها معينة وتشتم وتهاجم.

الأربعاء، فبراير 13، 2013

الله !






"كلّما أقبلت على الله خاشعة. صَغُرَ كلّ شيء حولك و في قلبك. فكلّ تكبيرة بين يدي الله تعيد ما عداه إلى حجمه الأصغر. تذكّرك أن لا جبار إلّا الله، و أنّ كلّ رجل متجبّر، حتى في حبّه، هو رجل قليل الإيمان متكبّر. فالمؤمن رحوم حنون بطبعه لأنّه يخاف الله.ـ" أحلام مستغانمي
عندما اردت الحديث عن الله وجدت انه من العظيم ان يكون الحديث خاضعا لقوانين تربط بين الايمان بالله واليقين بقدرته والخوف من عذابه ومناجاة رحمته !
عندنا كان يجب علي الحديث عن الصانع كان الامر نابعا من ابداع منتجاته فكيف يمكن لعاقل ان يرى الكون حوله دون ان يقول " سبحان الله " ولابد لنا عند رؤية الجمال ان نقول " الله " .
علاقتي بالخالق لم تكن تسير على وتيرة واحدة وهو – عزوجل – ارداها لذلك لأنه يعلم ان هكذا تكون الامور دائما فلا شيء مستقر أو ثابت سواه .
حينما كنت طفلا ، كان الله بالنسبة لدي هو ذلك العظيم القادر على كل شيء الأول بلا بداية والممتد الى مالا نهاية ، كنت دائما اضعه في منزلة العظماء ولكني لم اكن ادر اسباب حقيقية لذلك ، كان الامر أشبه بمن يحب شخصا دون ان يدري السبب فما بالكم بالله !
حينما سألت أبي عن  طبيعة الخالق ، كيف هو واين يوجد ؟ أجابني ان الله هو ذلك الذي من عليك بنعمه وجوده وكرمه " وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها " فكل خير لك ملك يديه !
ساعتها كنت اسعد بالخالق واحمد ربي على ايماني به ، ولكني كنت احيانا افكر في ان النعمة والنقمة ملك يمينىه فهو من انعم علي وهو من سبب لي الضرر في بعض الأمور ولم اكن افقه لأشياء كثيرة!
كانت دائما آيه " وما قدروا الله حق قدره والارض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يصفون " تجذبني جذبا ، فما بالك بخالق يقول لمخلوقاته " ما قدرتم حق قدري " ومع ذلك لا يعاقبهم لا يقهرهم لا يظلمهم!
شعرت بأن ايماني بالله نابع من اتجاه عاطفي وان كان هذا مقبول إلا ان مع الله يجب ان يتيقن عقلك وقلبك وكل جوارحك !
آمن عقلي بسرعة فكل ما في الكون يثبت وجوده ويثبت قدرته وكل عجز بشري يثبت ان هناك من هو فوق العجز وقادر على تحريك كل شيء بكلمة " كن " !
كنت طفلا عابدا لله بدون يقين حقيقي ، فكنت ارى انه الزاما علي عبادته دون ان اكون راغبا في ذلك ، وكنت اشعر انني اذا سجدت لله بغية طلب شيء منه فهو نوع من النفاق ، فالله يعلم اني لم اسجد الا لطلب ولم افكر فيه الا لحاجة ، ويجب ان اكون اريد الخالق واتحدث عنه واليه في كل وقت دون طلب او سؤال !
لذلك لم اكن اشعر بصفاء داخلي واعتراني العديد من المشكلات الاجتماعية والنفسية وحتى الاخلاقية فأصبحت اعبد البشر اكثر من عبادتي لله ، اصلي في المسجد  ليقولوا مصلي ، ادعي ان يوما ما صمت نافلة دون ان اكون فعلت ذلك لأجعلهم يسعدون بكوني طفلا واصوم لله نوافله !
وعندما كبرت اكثر فأكثر ازداد بعدي لله مع ازدياد ارتباطي بنعم الدنيا ومتعها ، فالانسان دائما ما يجب ان يجد الخير سريعا وقلة هم من يتحملوا الالم فترة من اجل الحصول على النعيم المستديم ولست انا من القلة ، بل انا متسرع جدا واريد النتيجة اسرع من جهدي في العمل وهذه كارثة !
ولكن الان وبعد طول جهد ، فقهت ما لم اكن افقهه سابقا عن الله ، انه حقا عظيم ، يرى الكون شاملا فيعجز نظرتنا القاصرة لأجزاء بينية من الكون قد نظن انها كل شيء وهي غير ذلك !
هو من يعرف اليوم وغدا والماضي ، هو من يرى لنا النور ويعرف لنا الصواب ، فعندما كنت انظر للتاريخ أقول " أظن ان الشعوب كانت ساخطة حين حدث كذا وكذا " واكتشف ان هذا الشيء كان له اثر ايجابي فأنشأ نهضة وحضارة عظيمة ، الله وحده من كان يعرف ان هذا سيحدث لذا ترك الشعوب تشعر بالضجر وكأنه يقول لهم " اصبروا  ان الخير قادم من رحم الكارثة " .
انه صاحب القرار الاعظم وهو بحكمته يجعلك تصل – بحرية كاملة – الى قرارتك ويعينك عليها لتنجح وان تظن ان هذا قرارك الا انه الهام ورسائل الخالق !
أحمده فقد عرفته وعمري في الدنيا ليس بعظيم ، احمد الله انه سمح لي برؤيته بمناجاته بعشقه وتقبلني كما انا والهمني الطريق الذي سيكون في آخره طوق خير ونجاة !
أراكم قريبا
ملحوظة: هذا المقال جزء من مجموعة " ذكريات طفل ناضج " ولكني اثرت ان لا استخدم العنوان المميز لهذه المجموعة ان تبدأ بـ"أنا و .... " فالله اعظم من اكون معطوف عليه !