عادت البسمة تشرق وجهي ، عاد القلم يمسح دمعي ، عاد النور يضيء في صدري حياتي في الجزيرة علمتني كيف تكون حياتي أردت أن أكون وحيدا ، فاكتشفت أن الوحدة تحيا معي
هناك من فسر سبب غيابي بتفسيراته
منهم من ظن أني أتلاعب بكم ، والكثيرون اتهموني (بالخيابة) وهناك من فهم الأسباب وطلب مني البعد حتى أفيق لنفسي ..
وهناك من ظن أن هناك شخص ما هو السبب الرئيسي ليجعلني أعزف عن البشر مع أن الحقيقة أنني – وفي هذه اللحظة التي أكتب فيها تدوينتي هذه – اشعر بالسخط على شخص ما أكثر من أي يوم آخر وكنت وأنا اعلن نهاية حياتي التدوينة أعشقه كثيرا ..
قمت بحذف المدونة وما هي إلا دقائق وألح عليّ قلمي لأعيدها مرة أخرى ..
المهم ..
فإن سبب غيابي ..
كان لهو دواعي نفسية وخاصة بعد تعب أبي الغالي وإجرائه لعملية جراحية بسيطة أما الآن فقد عاد والدي للبيت مرة أخرى بعد تجاوزه لمرحلة النقاهة ..وتحسنت حالتي النفسية كثيرا
بعد معاتبة القلم لي ، جلست أعض أصابع الندم كما يفعل الظالم ، فمع قسوة أسلوب القلم إلا أنه لم يخطئ كثيرا .. فما قاله انعكاس لأمر واقعي ..
وعندما تذكرته بحثت عنه لأتحدث معه قليلا ، فقلبي يرتاح كثيرا عندما أتحدث مع قلمي ، وكما يقولون " القط يحب خانقه " !!
بحثت عنه في أرجاء الغرفة فلم أجده حتى لمحت شبحه يخرج من الشرفة فاتجهت نحوه وأنا أنادي :- " أيها القلم مالك تجلس وحيدا هكذا ؟ " لم يحر جوابا ، فدنوت منه وكررت سؤالي :- " أيها القلم ما بك ؟ " نظر إليّ بعين دامعة دون أن ينبت ببنت شفه ، فدنوت منه أكثر ونظرت إلى وجهه وقلت له :- " ما لك حزين هكذا ؟ "
مسح دموعه وقال :-" أنت سبب حزني " سألته مستنكرا :-" أنا !! " تابع وكأنه لم يسمعني :- " أنت ومعشر المدونين " انعقد حاجبيّ وقلت له :- " المدونون !! لماذا ؟" أجابني :- بعد النقد اللاذع الذي وجهته إليك في حوارنا السابق والذي نشرته في مدونتك ، إذ بالمدونون يطلبون منك كسري أو رميي وإحلال آخر مكاني " حاولت أن أمنع ضحكة كادت أن تنفلت مني وقلت له :- " هذا ما يزعجك إنها مجرد دعابة " تجاهل ردي وهو يشيح بوجهه وقال :-" وأنت لم ترد لي اعتباري " لم استطع أن أتمالك نفسي فضحكت بصوت عال وقلت له :- " اعتذر منك أيها القلم وسوف أحذر المدونين حتى لا يستهتروا بك مطلقا " نظر إليّ نظرة عتاب وقال :- " هل تراني طفلا مدللا حتى تضحك عليه بتلك العبارات ، عموما أنا حزين بسبب النظرة المغلوطة للنقد فلماذا لا يتقبل الجميع النقد بصدر رحب ، لماذا لا يرى الآخرون أخطائهم ويحبون أن يقفوا في موضع الناقد ، فقد فقدنا الرؤية لعيوبنا ونرى فقط عيوب الآخرين ، أنا أوجه لك النقد لأني أنا أنت وأعلم أنك لن تنتقدني لأني الجزء المضيء في حياتك وإذا رأين النور فأين الظلام ؟ " ابتسمت وقلت له :- " وأنا مثلك تمام لا أحب عمل الناقد مطلقا ، وأرى أن من يرد أن يكون ناقدا عليه أن يكون الأفضل في المجال الذي ينتقد فيه حتى لا يكون محل نقد هو الآخر ، وهذا شبه مستحيل فأنت تعلم أن الكمال لله وحده ، ولكن مشكلتنا أننا نعشق الحديث عن عيوب الآخرين ولا نريد من الآخرين أن يتكلموا عن عيوبنا " ابتسم وقال :- " لذا فأنا أطلب منك أن تسعى لرؤية عيوبك وتتقبل النقد من الآخرين ، وأن لا توجه اللوم على أحد بل وجه اللوم عليك فقط " قلت له :- " ولكن هناك نقد هدام " أجابني :- " من ينقد نقد هدام فهو حاقد حاسد جاحد ، وتجده لا يرى إلا عيوبك ولا ينظر إلى ميزاتك مطلقا " احتضنته وأنا أقول :- " أصبت يا صاح " ثم استطردت :- " وهون على نفسك فكما قلت أني لا يمكن أن أحيا بدونك ولكنك تستطيع الحياة بدوني " ثم تثاءبت وقلت له :- " والآن أتركك لأخلد للنوم فرمشي الأعلى يسعى لملاصقة الرمش الأسفل "
جلست على جسر النيل أتأمل هذا المنظر الرائع .. أمواج النهر التي تتمايل ابتهاجا بانعكاس ضوء القمر عليها مما يعطي منظرا تعجز الأقلام عن رسم مثيلتها .
وبينما أنا اسرح في نسج الطبيعة سمعت صوتا ينبعث من جيب قميصي يقول :- " دعك من موجه التفكير تلك" ابتسمت والتفتت إلى صاحب الصوت وقلت له :- "وها يحيا البشر بدون تفكير أيها القلم الهمام " تعلق بجيب القميص وهو يتطلع إلى نفس المشهد الذي رأيته وقال :-" لا تنسى أن حديثي معك مجرد نسج من الخيال وليس له علاقة بالواقعية" أجبته في امتعاض :-"ربما لأني أعشق الحياة في بحر الخيال " .
استنشقت عبير الهواء وتجاهلت وجود القلم تمام ورحت أوسع دائرة تخيلي حتى ظننت أن النهر يود لو أنه استطاع أن يحكي معي ويروي لي أخباره .
ومرة أخرى أسقط القلم خنجرا مسموما في صدري ويحمل مئات الطعنات وهو يقول :- " هل تعلم ؟ أنا لا أفتخر بك !!" قالها ببساطة وهدوء وسقطت علي كالصاعقة وأنا أقول له :-" ماذا تقول ؟" كرر بنفس ألامبالاة :- " لا أفتخر بك " ازدرت لعابي و قلت له :- " لا تفتخر بي .. مع أن هناك من هم يفخـ...." قاطعني بابتسامة ساخرة وقال :- "ومن هؤلاء ؟ إنهم أناس لا يربطك بينهم إلا علاقة عبر الانترنت وحتى من يقل لك هذا من الوسط المحيط لا يعرف طيات نفسك ، أنت إنسان عاجز في صورة ملاك ، ظننت أنك ملك الكون لأن البشر امتدحوك ، مع أنك شبح مبدع ، أنت تظن نفسك على صواب مع أن الحق أنك من الأضلين أعمالا ، فقد ظننت نفسك تحسن صنعا وأنت مازالت مجرد صانع للشرر " كانت عباراته هذه طعنات تتوغل في أحشاء صدري ولكني عاندته وقلت له :- " ولكني موقن بأني كاتب متميز ولدي مستقبل باهر ينتظرني لولا المُحبِّطون أمثالك ، الحاقدون .... " عاد يقاطعني بضحكة عالية وهو يقول :- " أنا لا أحقد عليك أيها الزميل فأنا وأنت وجهان لعملة واحدة ، مع أنك لا يمكن أن تحيا بدوني وأنا أستطيع الحياة بدونك " صرخت في وجهه وقلت له :- " من المغرور إذن أيها القلم " أجابني :- إنه ليس غرور ، بل تقرير واقع ، ولسوف أكرر كلامي أنا لا أفتخر بك " انتزعني بريق الصدمة من عنادي فقلت له في يأس :- " وما العمل حتى أنول فخر سيادتكم " أجابني :- سلني على الحق أيها البطل ولا تهتم بمدح الآخرين وكون تدوينتك أجاب الرئيس أفضل تدوينة ، ولكن انظر إلى طريقك وسر على بركة الله وساعتها قد أرضى عنك " أسبلت جفنيّ وقد فقهت للحقيقة التي كشفها لي وتألمت وأنا أقول :- " أصبت أنا لست أهلا للفخر " ..
كنت أسير في الطريق .. طريق كله خضرة وجمال ، ابتسامتي لا تفارقني والسعادة تغمرني .. الجميع حولي مسرور وسعيد لا تشعر قلوبهم بالحزن أبدا
وفجأة ..
انطفأ النور وأظلم المكان ، خفق قلبي بشدة وشعرت بخوف عارم ، بالرغم من عشقي للظلام ولكن هذه كانت ظلمة ..
ظللت أسير في الطريق وأنا لا أحمل في يدي مشعل لينيره ، أشعر بأن الناس من حولي يموجون بالحزن واليأس
ثمة حركة غير طبيعية في الطريق ، لا أعرف ماذا يحدث بالضبط ؟ ولكن الجميع يهرب ويجري في كل مكان
صوت صراخ في كل منطقة ، البعض بدأ يشعر بالعذاب ومع ارتفاع صوت صراخهم وأنينهم يرتفع معه صوت ضحكات وأفراح من البعض الآخر ..
وكأن هناك من يعذب ويتلذذ بهذا الأمر
لم يمنعني هذا عن مواصلة المسير ولم يقلقني أي شيء ، شعرت بشخص يمر بجواري وفجأة انقض عليه شخص آخر وطعنه حتى أرداه قتيلا ..
هرعت بعيدا وأسرعت ابتعد عن المكان ، وأنا اركض لمحت بصيص ضوء قادم من بعيد ، عادت البسمة تغمرني من جديد وأنا أناهض للوصول إلى بقعة الضوء ..
وإذ برجال يمنعوني من المواصلة ويقفون في طريقي حائلا بيني وبين الضوء ، بدأ اليأس يدب في قلبي وشعرت باستحالة الوصول ..
فجأة التقط أنفي رائحة اختال لي أنها رائحة بنزين ، نعم إنها رائحة بنزين تملأ جنبات الطريق ، ظللت أفتش في جيبي حتى وجدته أخيرا ، عود ثقاب ، لم يمنعني خوفي من أن أشعل هذا العود والتفت حولي لأجد الملايين يشعلون هذا العود معي ..
ابتسمت وابتسموا معي وفي آن واحد القينا الأعواد على صفائح البنزين المتناثرة هنا وهناك ..
واشتعل البنزين واشتعل الطريق معه ، وسقط كل المحبطون صرعى وأضاء ضوء وهاج أنا جنبات الطريق ...
وظلت بقعة الضوء تكبر وتكبر حتى غمر الضوء كل المنطقة ...
بينما نحن جلوس ساهرون إذ بأخي الأكبر – محمد – يناديني ويطلب مني الإسراع ، ذهبت إليه على عجلة فوجدته يبتسم لي وهو يعطيني مفكرته الخاصة وقال أن بها موضوعا أتمنى أن اقرأه وأنشره في المدونة ، فتحت المفكرة وبدأت بالقراءة فوجدت التالي :-
" مصعب ... أخوك الأصغر "
سمعت هذه الكلمات منذ ستة عشر عاما من عمتي وهي تبشرني بأول أخ ذكر لي وقد كان عمري وقتها تسعة أعوام ، كان البيت يموج بالسعادة والبشر لهذا المولود ، ولكنها لا تقاس بأي حال من الأحوال بالسعادة التي شعرت بها .
وهذا لعدة أسباب ، لعل من أهمها أن هذا المولود هو أول أخ لي بعد ثلاثة أخوات ، وأنا لا أعيب فيهن فكم يعلم الله مدى حبي لهن ، ولكنها رغبة الإنسانية الفطرية التي تجعل الإنسان ينجذب إلى جنسه .
المهم
حملت المولود وقررت في داخلي أن أكون له نعم الأخ الأكبر الذي من المؤكد أنه سيرتبط به أكثر من والديه .
مرت السنوات والأعوام ويكبر أخي أمامي ويأخذ ملامحي وحتى أننا لا نستطيع أن نفرق بين كلينا في طفولتنا .
كبر مصعب وأصبح رجلا وسيما جميل الملامح ، إذا تجاوزنا عن تضخم أنفه وقصر قامته ولكنهما لن يؤثرا في وسامته وقلبه الجياش بالعاطفة .
نظرت إليه اليوم وقلت في نفسي " هل قمت بواجبي كأخ أكبر تجاه أخي الصغير" ، فكرت كثيرا فإذا بي أصل إلى الحقيقة المرة إني لم أقم بواجبي خير قيام ، ولا أعرف لماذا قصرت في حقه ؟
إني أرى أخي اليوم وقد أصبح مدونا ناجحا بإجماع الكثيرين وطامحا في هدف سام ، ولم يحدث أن كتبت (بوست) في مدونته أو تعليق على ما كتب .
إني أعتذر إليه عن تقصيري هذا ولكني أطمع في قلبه الحنون الذي سيغفر لي ، ولعل عيد ميلاده السادس عشر يكون نقطة التحول في حياتنا معاً
أخي ... – ويا لعظمتها من كلمة – إني اعتذر عن ما مضى وانتظر مني بإذن الله ما يسرك .
أخوك
محمد صلاح
28/6/2009 م "
شعرت بعد الانتهاء من القراءة بإحساس عجيب ، فأخي الأكبر – بالرغم من كل ما يفعله من أجلي – يظن نفسه مقصرا ، إذن فماذا فعلت أنا ؟
لقد اكتشفت أني لم أره بل تعاملت معه بأنانية وبحثت عن حقه عليّ لا عن واجبي نحوه ، وكما قال أنه يود أن يكون هذا العام نقطة تحول ، فليكن وسوف أسعى بأن لا أجور على حقك وأن أمنحك ما تستحق .
كانت الدهشة قد وصلت إلى ذروتها عندما عرفت أن هناك مخبرا يريدني وينتظرني في الخارج ، وفي يده رسالة يقول أنها من شخص هام ..
اتجهت لأقابل هذا المخبر الذي نظر نحوي في بلاهة ، حتى أنني شعرت وكأنه لا ينظر إلىّ أصلا وهو يشبه في شكله ومضمونه الإعلامي الكبير / سيد أبوحفيظة .. تنحنحت وقلت له :- " خير يا عم الحاج ، أنا مصعب " نظر إلىّ وكأنه يتأكد من صحة ادعائي وغمغم بعبارات غير مفهومة وأعطاني الرسالة وهو يقول :- الجواب دا جالك عن طريق النقطة وشكله كده من حد مهم " أمسكت بالظرف في قلق وقلبته لأرى المرسل وصعقت حينما وجدت عبارة " رئاسة الجمهورية " وقد بدأت أشعر وكأن في الأمر خدعة أو ما شابه ولكن هل سيأتي هذا المخبر ليخدعني ؟! ، تمالكت نفسي وفتحت الرسالة لأقرأ فحواها وقد كان الأتي :- " السيد / مواطن مصري .. بعد التحية والاحترام ،، فقد قرأت رسالتكم التي أرسلتها لي منذ عدة أشهر والتي تفضلت وذكرت فيها الهموم التي تعاني منها بلدنا ، وقد شعرت من خلال كتابك أنك عاشق لتراب هذه الدولة ، وأنك إنسان متفتح ناصح أمين ، لذا فأنا أود منك الحضور لمقابلتي في قصر الرئاسة بحدائق القبة حتى أعرف ما يدور في بلدي من دون خداع وتزييف ... مع خالص تحيتي .. رئيس الجمهورية " بعد انتهائي من القراءة ، طويت الرسالة وارتعدت فرائسي بشدة ، وخفق قلبي في عنف ، حتى كدت أن اسقط صريعا . ونسيت كل الشعارات التي أرفعها بأني لا أقلق من الرئيس وأنه مجرد بشري ومواطن بدرجة رئيس جمهورية لا أكثر ولا أقل وأني لا اقلق من أي شيء حتى وان وصل الأمر إلى حد الاعتقال .
انتزعني صوت المخبر وهو يقول في غلظة :- " هو مين دا اللي باعت الرسالة ؟ " تصبب العرق على جبهتي وقلت ليه :- " الريس " انعقد حاجبيه الكثين وقال :- " ريس مين ؟ " أجبته بانفعال :- " هيكون ريس مين يعني .. رئيس الجمهورية " تدلت شفتي السفلى وخرجت عينيه من مقلتيها وبدا أمامي كتمثال من صنع محمود مختار !! ، وما هي إلا لحظات ولم أره أمامي وكأنه ارتدى زي السوبرمان !!!!!
اتجهت نحو غرفتي في قلق لأحاول التفكير في الأمر بجدية ، وأتساءل هل هذا حلم أم ماذا ؟ ربما لا يوجد خطاب أصلا وكل ما حدث منذ دقائق كان مجرد تخاريف من أثر حرارة الشمس الحارقة
ظللت أغدو وأروح في غرفتي كالليث في القفص لأبحث عن شيء يحل تلك الكارثة ، اتجهت نحو جهاز الحاسوب ( الكمبيوتر ) لأناجيه وصرخت في شاشته قائلا :- " إيه يا عم مفيش عندك حل ؟ " وجدت صوتا يرد عليّ من خلفي ويقول :- " أنا عندي الحل يا أستاذ " التفت نحو مصدر الصوت في خوف وذعر فقد ظننت أن هذه المرة أتى المخبر وفي يده الأغلال ، ولكني – بحمد الله – وجدته قلمي الذي تابع قائلا :- " اطمن الموضوع حقيقي والريس فعلا عاوزك ودا مش يخوف " صرخت في وجهه وقلت :- " ازاي مش يخوف دا أنا بخاف م الكلب يطلع لي ريس !! " وضع يده على خصره وقال :- " هو أنت عملت حاجة غلط ، عشان تقلق .. الحرامي هوا اللي يخاف مش الشريف " أجبته في حنق :- " ما هو اللي ايده ف الميه مش زي اللي ايده ف النار " قفز القلم من فوق الأوراق التي تعد غرفة نومه وقال :- " يا بني هوا لو هيعتقلك هيبعت مخبر ، دا كان زمانك في خير كان وخبر إنّ كمان " جلست على فراشي وذاكرتي تستعيد فحوى الرسالة وقلت له :- " تصدق كلامك سليم " شعر بالزهو وهو يقول :- " يبقى تستعد يا بطل وروح له بدل ما يبعت حد يجيبك " نهضّت من فوق الفراش وقلت له :- " صح ، أنا لازم استعد للقاء بكره " .
************
أتى اليوم التالي سريعا وقبل شروق الشمس كنت قد استقليت أول قطار متجه إلى القاهرة وبالطبع لم أنسى قلمي الذي يعد سلاحي وحامي حماي .
وأخيرا وصلت إلى القصر .. قصر الرئاسة ، أقدم رجلا وأأخر الأخرى والقلم يستحثني على متابعة السير ، وبينما أتقدم إذا بذاكرتي تستعيد مشهد أحمد حلمي عندما اتجه إلى قصر الرئاسة من قبل في فيلمه ( آسف على الإزعاج ) ، وفجأة إذ بشرطي يتقدم نحوي ويقول :- " أنت رايح فين يا حبيبي " ازدردت لعابي وقلت له :- " عندي ميعاد هنا " ضحك الشرطي بصوت مجلجل وقال :- " نعم يا ..... ،ويا ترى الميعاد دا مع حبيبتك ولا إيه ؟ دا أنت شكلك كده هتحصل عماد الكبير " أغمضت عيني بقوة وأنا أسعى لتجنب الإيذاء ولكن الشرطي توقف بغتة على أثر صوت شرطي آخر عرفت فيما بعد أنه كبير الحرس الذي قال :- " استنى شوية " ثم تحقق مني وقال :- " حضرتك مصعب باشا مش كده " انفرجت أساريري وقلت له :- " أيوا يا باشا " ابتسم الشرطي حتى برزت أسنانه الصفراء وقال :- " الريس ف انتظارك " تقدمت أشق الصفوف في ثقة وأنا اشعر بالزهو وكأنني رجل دبلوماسي هام .
صعدت الدرج حتى وصلت إلى غرفة السكرتير الرئيس أو مدير مكتبه لا أعلم بالضبط وظيفته .. دخلت عليه فوجدته يبتسم وينظر إلى من تحت نظراته وهو يقول :- " حضرتك مصعب باشا " أومأت برأسي في قلق فتابع :- " الريس منتظر معاليك " بدأت أشعر وكأني على أعتاب منصب هام أو أنه سيلغي نظام الثانوية العامة ، وبالرغم من كل ذلك فقد بدا تثاقل قدميّ وهي تتجه نحو غرفة الرئيس ، اتجهت نخو الباب وأنا قلق من أن اطرقه ولكن الرجل قال في حدة :- " خبط خايف ليه ؟ " شعرت أن كفي قد تحول إلى أداة للطرق حتى سمعت صوتا من الداخل يقول :- " ادخل " دخلت في قلق لأرى غرفة أكبر من مركز أشمون كله !!
وجدته ينظر من النافذة وقال لي :- " اتفضل يا مصعب يا ابني جاي ف ميعادك مظبوط " أجبته :- " إحنا نقدر نتأخر على معاليك يا أفندم " اتجهت نحو مكتبه وقلت له :- " حضرتك كنت عاوزني يا سيادة الريس ، خير " نظر إلىّ وقال :- " اقعد الأول وبعدين نتفاهم " جلست في قلق فتابع وهو يجلس هو الأخر :- " تشرب إيه ؟ " أجبته :- " أي حاجة معاليك " ابتسم وهو يرفع سماعة الهاتف ويقول :- " عصير مانجه بسرعة " جلست أتخيل شكل شراب المانجو هذا الذي هو بالطبع منقى من أجود أنواع الفاكهة في العالم و...
انتزعني من تخيلاتي صوت الرئيس يقول :- " أنا ليا الشرف إني قاعد مع واحد وطني زيك ومن سنك ، دا معناه إن البلد لسه بخير ، بس إنت بعت الرسالة دي ليه ؟؟ " أجبته دون تردد :- " لأني بحب مصر وعاوز أعمل حاجة عشانها " ضحك ضحكة صافية وقال :- " أكيد طبعا بتحبها " ثم استطرد :- " بس الواحد كبر والمشاكل كل يوم والتاني بتزيد ومش عارف أحلها ازاي لواحدي وخصوصا إني في حيتان ف البلد عاوزين ينهبوها " أجبته في يقين :- " بس يا ريس إنت أكبر سلطة هنا ف البلد وممكن تعين الأصلح " هز رأسه وقال :- " بس نفسي ألاقي ناس بالحماسة دي يا مصعب " تنحنحت وقلت له :- " بلاش المماطلة يا ريس إنت لازم تتصرف وتغير الناس دي والشعب كله هيفرح بيك ورصيدك عندهم هيزيد " قال لي :- " إنت شايف كدا " أجبته :- " كدا وأبو كدا كمان " ابتسم وقال :- " اطمن يا مصعب سوف ترى الخير غدا " ثم صافحني في حرارة وقال :- " أتشرفت بالدقايق اللي أعدتها معاك دي يا مصعب يا بني " ابتسمت وقلت له :- " أنا اكتر والله يا ريس " تابع قائلا :- " طب ما تأعد تفطر معايا " أجبته :- " مرة تانية أصل لازم الحق القطر اللي جاي " غادرت المكان وأنا حزين على شراب المانجو الذي ضاع مني ولكني كنت سعيد لأني عرفت الرئيس على حقيقته ، وأثناء رحلة العودة وجدت قلمي ينظر إلىّ من جيب سروالي وقال :- " أنا مش مطمن " ضغطت عليه لأعيده مكانه وقلت له :- " خليك ف حالك " وأخيرا وصلت إلى البوابة فوجدت حشدا من سيارات الشرطة والدبابات حتى ظننت وكأن الجيش قد قام بثورة !!
وبمجرد وصولي إلى البوابة وجدتهم يصرخون :- " إرهابي " التفتت حولي لأعرف من هذا الإرهابي فإذا بقائد الحرس يقول :- " إنت فاكر نفسك هتأدر تغتال الريس في عز النهار كدا " انعقد حاجبي وأنا أقول :- " أنا .. " قاطعني قائد الحرس وقال :- " ارفع ايديك المكان كله محاصر ، أي حركة هاضرب ف المليان " رفعت رأسي ونظرت نحو المبنى لأجد إطلالة الرئيس وأتذكر كلمته وهو يقول :- " سوف ترى الخير غدا "
************
سحبني الحرس نحو عربة ضخمة وأنا اصرخ قائلا :- " طب اعتقلوني أنا لكن القلم مالوش ذنب !!!! "